الشوكاني

508

فتح القدير

قرأ الجمهور بإسكان الياء من قوله " ولى " وقرأ نافع وهشام وحفص والبزي بفتحها . وقرأ الجمهور أيضا بحذف الياء من ديني وقفا ووصلا ، وأثبتها نصر بن عاصم وسلام ويعقوب وصلا ووقفا . قالوا لأنها اسم فلا تحذف . ويجاب بأن حذفها لرعاية الفواصل سائغ وإن كانت اسما . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس " أن قريشا دعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء ، فقالوا : هذا لك يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا تذكرها بسوء ، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح ، قال : ما هي ؟ قالوا : تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ، قال : حتى أنظر ما يأتيني من ربي ، فجاء الوحي من عند الله ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) إلى آخر السورة ، وأنزل الله - قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون - إلى قوله - بل الله فاعبد وكن من الشاكرين - " . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن سعيد ابن مينا مولى أبي البحتري قال " لقى الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا : يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله ، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظا ، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظا ، فأنزل الله ( قل يا أيها الكافرون ) إلى آخر السورة " . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أن قريشا قالت : لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك ، فأنزل الله ( قل يا أيها الكافرون ) السورة كلها . تفسير سورة النصر وتسمى سورة التوديع ، هي ثلاث آيات وهي مدنية بلا خلاف . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزل بالمدينة ( إذا جاء نصر الله والفتح ) . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال : هذه السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوسط أيام التشريق بمنى ، وهو في حجة الوداع ( إذا جاء نصر الله والفتح ) حتى ختمها فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنها الوداع . وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال " لما نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعيت إلى نفسي " . وأخرج ابن مردويه عنه قال " لما نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعيت إلى نفسي وقرب إلى أجلى " . وأخرج النسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنه أيضا قال : لما نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) نعيت لرسول الله نفسه حين أنزلت ، فأخذ في أشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم حبيبة قالت " لما أنزل ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله لم يبعث نبيا إلا عمر في أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله ، فإن عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل ، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة ، فبكت فاطمة ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنت أول أهلي بي لحوقا ، فتبسمت " . وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال " لما نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم